|
فقال له رئيس اللجنة: قم يا بنى، هذا سؤال يسأل للنابهين فى كل عام، ولم يجب بمثل ما أجبت به إلا الشيخ محمد عبده، وتنبأ له بمستقبل عظيم. تخرج فى دار العلوم بالقاهرة سنة 1927م وكان ترتيبه الأول. تنقل بين البلدان مشتغلاً بالتعليم حتى استقر فى مدينة الإسماعيلية. أسس مع ستة آخرين جماعة الإخوان المسلمين بمصر عام 1928م للتعريف بالإسلام الصحيح، وأنه عقيدة وعبادة ووطن وجنسية، وسماحة وقوة، وخلق ومادة، وثقافة وقانون. اختار لنفسه لقب المرشد العام. أنشأ فى الإسماعيلية مسجدًا ودارًا للإخوان، ثم معهد حراء الإسلامى، ثم معهد أمهات المؤمنين لتربية البنات تربية دينية صالحة. نُقِل إلى القاهرة فافتتح دارًا للإخوان سُمِّيت بالمركز العام. أنشأ بالقاهرة جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، ثم مجلة النذير، وأصدر عددًا من الرسائل، منها رسالة: (المأثورات) و(إلى أى شىء ندعو الناس) و(إلى الشباب) و(نظام الحكم) وغيرها. كان خطيبًا مفوهًا وأديبًا رائع البيان. اعتقل لمدة شهر سنة 1941م على إثر خطاب ألقاه هاجم فيه سياسة الإنجليز أثناء الحرب العالمية الثانية ثم نُقِل إلى قنا نقلاً تعسفيًّا سنة 1941م. كان يتنقل بين البلدان ليعلن دعوته ويعلم الناس الإسلام حتى وصل عدد الإخوان المسلمين إلى نصف مليون. كان يرسل المبعوثين إلى جميع أنحاء العالم يتفقدون أحوال المسلمين وينقلون إليه صورة عن واقع العالم الإسلامى. أرسل عام 1948م كتيبة الإخوان المسلمين إلى فلسطين فرأى اليهود منهم الويلات حتى قال أحد جنرالاتهم: لو أعطونى كتيبة من الإخوان المسلمين لفتحت بهم العالم. وقف ضده اليهود والإنجليز والملك والباشوات والأحزاب والفساد والانحلال وجهل الناس بمصلحتهم. كان متواضعًا، شديد النظافة، قوى الذاكرة، متحدثًا لبقًا، يحب القراءة والاطلاع، نشيطًا لا يعرف التعب، وكان يحب الناس جميعًا ويعطف عليهم، وكان دائم الابتسامة شجاعًا، ولا يترك قيام الليل. قال عنه الأستاذ سيد قطب رحمه الله :"الحقيقة الكبرى لحسن البنا هى البناء وإحسان البناء بل عبقرية البناء ". قال عنه الشيخ محمد الحامد: "لم ير المسلمون مثل حسن البنا منذ زمن بعيد" قال عنه الأستاذ الندوى: "الشخصية التى فاجأت مصر والعالم الإسلامى". من أقواله: (نحب أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداءً لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تزهق ثمنًا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الفداء، وما أوقفنا هذا الموقف منهم إلا هذه العاطفة التى استبدت بقلوبنا وملكت علينا مشاعرنا، فأقضت مضاجعنا، وأسالت مدامعنا، وإنه لعزيز علينا جد عزيز أن نرى ما يحيط بقومنا ثم نستسلم للذل أو نرضى بالهوان أو نستكين لليأس، فنحن نعمل للناس فى سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا، فنحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب، ولن نكون عليكم يومًا من الأيام). ومن أقواله: (نحن ندعو الناس إلى مبدأ، مبدأ واضح محدد مُسَلَّم به منهم جميعًا، هم يعرفونه ويؤمنون به ويدينون بأحقيته، ويعلمون أن فيه خلاصهم وإسعادهم وراحتهم، مبدأ أثبتت التجربة وحكم التاريخ بصلاحيته للخلود وأهليته لإصلاح الوجود). كثيرًا ما كان يردد: (الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت فى سبيل الله أسمى أمانينا). سئل عن نفسه ورجاه السائل أن يوضح شخصيته للناس فقال الإمام:أنا سائح يطلب الحقيقة وإنسان يبحث عن مدلول الإنسانية بين الناس ومواطن ينشد لوطنه الكرامة والحرية والاستقرار والحياة الطيبة فى ظل الإسلام الحنيف ..أنا متجرد أدرك سر وجوده فنادى إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ..هذا أنا ..فمن أنت؟ جاء مبعوث من السفارة الإنجليزية إلى دار المركز العام وقابل الإمام الشهيد وقال له :إن الإمبراطورية من خططها مساعدة الجمعيات الدينية والاجتماعية ،وهى تقدر جهودكم ونفقاتكم لذلك فهى تعرض عليكم خدماتها بدون مقابل وقد قدمنا مساعدات لجمعية كذا وكذا ولفلان وفلان وهذا شيك بعشرة آلاف جنيه معاونة للجماعة ، فتبسم الإمام الشهيد وقال :إنكم فى حالة حرب وأنتم أكثر احتياجاً إلى هذه الآلاف فأخذ المبعوث يزيد فى المبلغ والإمام الشهيد يرفض وكان بعض الإخوان يتعجبون ويتهامسون :لم لا نأخذ المال ونستعين به عليهم .فكان جواب الإمام الشهيد :"إن اليد التى تمتد لا تستطيع أن ترتد واليد التى تأخذ العطاء لا تستطيع أن تضرب ، إننا مجاهدون بأموالنا لا بأموال غيرنا وبأنفسنا لا بأرواح غيرنا ". حدثت أحداث عجزت السلطة عن معالجتها واتُّهِم فيها الإخوان المسلمون، فكانت ذريعة لإغلاق أنديتهم واعتقال الكثيرين منهم وحل جماعتهم. استشهد عام 1949م بالقرب من ميدان رمسيس ليلاً حيث أطلق عليه ثلاثة أشخاص رصاصهم وفروا، وتبين بعد ذلك أنهم كانوا اثنين من المخبرين مع القائمقام محمود عبد المجيد مدير الأمن فى ذلك الوقت، ولم يجد البنا من يضمد جراحه فى المستشفى، حيث كانت التعليمات مشددة بتركه ينـزف حتى يموت، وتوفى بعد ساعتين، وصلى عليه والده مع أربع نسوة بعد قطع الكهرباء عن الحى، وحمل النسوة الأربع الجنازة مع مكرم عبيد باشا وإخوة البنا ووالده الذى اشترطت عليه الحكومة لكى يستلم جثته ألا يقيم أى مظهر للعزاء، وتم الدفن فى جو رهيب بين صفوف الدبابات، وفرضت الحراسة على القبر حتى لا يخرج الإخوان جثته ويتظاهروا بها. من تلاميذه: الدكتور يوسف القرضاوى، والشيخ محمد الغزالى، والشيخ محمد متولى الشعراوى، والدكتور مصطفى السباعى، والأساتذة: عبد القادر عودة، وعمر التلمسانى، ومصطفى مشهور، وأبو الحسن الندوى، وغيرهم. من مؤلفاته: (الرسائل) و(مذكرات الدعوة والداعية) و(حديث الثلاثاء). كُتِب فى سيرته: (روح وريحان) و(الشهيدان) و(من حياة داع ودعوة).
|