|
مجـلس الشـــورى
-
ونظراً لهذا
التطور الخطير المفاجئ عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجلساً
عسكرياً استشارياً أعلى أشار فيه إلى الوضع الراهن , وتبادل فيه الرأى مع عامة جيشه
وقادته . وحينئذٍ تزعزع فريق قلوب من الناس , وخافوا اللقاء الدامى , وهم الذين قال
الله فيهم :{كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون *
يجادلونك فى الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون } وأما قادة الجيش
, فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن , ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن , ثم قام
المقداد بن عمرو فقال : "يا رسول الله , امض لما أراك الله فنحن معك , والله لا
نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون , ولكن
اذهب أنت وربك قاتلا إنا معكم مقاتلون , فو الذى بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك
الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه".
-
فقال له
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيراً ودعا له به .
-
وهؤلاء
القادة الثلاثة كانوا من المهاجرين , وهم أقلية فى الجيش , فأحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- أن يعرف رأى قادة الأنصار , لأنهم كانوا
يمثلون أغلبية الجيش , ولأن ثقل المعركة سيدور على كواهلهم , مع أن نصوص العقبة لم
تكن تلزمهم بالقتال خارج ديارهم , فقال بعد سماع كلام هؤلاء القادة الثلاثة
:"أشيروا على أيها الناس" وإنما يريد الأنصار , وفطن إلى ذلك قائد الأنصار وحامل
لوائهم سعد بن معاذ , فقال : والله , لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟
-
قال : أجل .
-
قال :"فقد
آمنا بك , فصدقناك , وشهدنا أن ما جئت به هو الحق , وأعطيناك على ذلك عهودنا
ومواثيقنا على السمع والطاعة , فامض يا رسول الله لما أردت فو الذى بعثك بالحق لو
استعرضت بنا البحر لخضناه معك , ما تخلف منا رجل واحد , وما نكره أن تلقى بنا عدواً
غداً , إنا لصبر فى الحرب , صدق فى اللقاء , ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك ,
فسر بنا على بركة الله ".
-
وفى رواية
أن سعد بن معاذ قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لعلك تخشى أن
تكون الأنصار ترى حقاً عليها أن لا تنصرك إلا فى ديارهم وإنى أقول عن الأنصار وأجيب
عنهم , فاظعن حيث شئت , وصل حبل من شئت , وخذ من أموالنا ما شئت , واعطنا ما شئت ,
وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت , وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك , فو
الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك , والله لئن استعرضت بنا هذا
البحر فخضته لخضناه معك .
-
فسر رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - بقول سعد , ونشطه ذلك , ثم قال : سيروا
وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدنى إحدى الطائفتين , والله لكأنى الآن أنظر إلى مصارع
القوم .

|